الشيخ محمد النهاوندي
590
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الْغَيْبَ وما لا يدركه الحواسّ إِلَّا اللَّهُ قيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى لكنّه تعالى يعلمه « 1 » . عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه أخبر يوما ببعض الأمور التي لم تأت بعد ، فقيل له : أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟ فضحك وقال : « ليس هو بعلم غيب ، إنّما هو تعلّم من ذي علم ، وإنّما علم الغيب علم الساعة وما عدّده اللّه سبحانه بقوله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية ، فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر وأنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل وشقيّ أو سعيد ، ومن يكون للنار خطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه إلّا اللّه ، وما سوى ذلك فعلم علّمه اللّه نبيه فعلّمنيه ، ودعا لي أن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي » « 2 » . وأمّا غيره من الانس والجنّ لا يعلمون وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ من القبور ، وأيّ وقت ينشرون للحساب ، فانّه من علم الغيب الذي اختصّ بذاته تعالى بَلِ ادَّارَكَ وتكامل واستحكم عِلْمُهُمْ بتكامل أسبابه من الدلائل والحجج فِي شأن الْآخِرَةِ وتمكّنوا من معرفتها ، ومع ذلك لمّا لم يتفكّروا فيها جهلوا بوقوعها . وقيل : يعني انتهى علمهم وانتفى إدراكهم بلحوقها فجهلوا بها « 3 » . وعن ابن عباس : أن وصفهم باستحكام العلم بالآخرة على سبيل التهكّم والاستهزاء « 4 » . بَلِ المشركون هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها ثمّ أضرب سبحانه عن كونهم شاكّين إلى بيان كونهم في أقطع حال من الشكّ بقوله : بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ وفاقدو البصيرة بحيث لا يكادون يدركون دلائلها . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 67 إلى 70 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) ثمّ حكى سبحانه مقالتهم في المعاد الدالة على عميهم منه بقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي مكّة : أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَ كان آباؤُنا أيضا ترابا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ من القبور أحياء ؟ ! وإنّما كرّروا الاستفهام الانكاري مبالغة في الإنكار .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 364 . ( 2 ) . نهج البلاغة : 186 الخطبة 128 ، تفسير الصافي 4 : 72 ، وفي النسخة وتفسير الصافي : وتضم عليه جوارحي . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 365 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 212 ، وتفسير البيضاوي 2 : 181 ، ولم ينسب إلى ابن عباس .